مقالات

  17-02-2026

الجدل الرقمي المصري

السجال المصري الذي يشتعل مع كل قضية تُطرح حتى وإن كانت تبدو كل قضية في ظاهرها منفصلة عن الأخرى - كمقترح انشاء بنك وطني للأنسجة أو قضايا التحرش أو حتى قضايا الهوية أو غيرها من القضايا- ما هو إلا تجلٍّ حركي لصراع أعمق بين الوعي والموضوع وصورة حية لعملية التفكيك التي تضرب مفاصل البنية الاجتماعية كل يوم . المجتمع المصري يشهد حالة من التآكل الداخلي تحت قشرة من الثبات الخارجي تخفي تصدعات عميقة في مفهومه للقيم والتصورات والمرجعيات ، ووجد المجتمع في الساحة الرقمية بديل اضطراري عن المجال العام المغلق عليه للتعبير عن تناقضاته ، ووجد فيها مختبراً لتصادم الطاقات والمرجعيات بين قوى تنشد العقل والعلم كأدوات إنسانية ، وقوى رجعية تقف خلف الموروث وتمنحه قداسة زائفة تحت مسميات مختلفة حتى يبدو منطقي وأكثر وجاهة لهم .

يمكن قراءة هذا الانقسام والجدل الرقمي الحديث كصراع بين التناقضات داخل جسد واحد ، حيث تحاول القوى التقدمية دفع الروح المصرية نحو لحظة الوعي بالذات من خلال العقلانية بينما تسعى القوى الرجعية لإبقاء المجتمع في حالة من الوعي الشقي أو الوعي الممزق الذي يأتي في واقع مصري يتغير بسرعة مع مرجعية لم تعد صالحة لتفسير واقعنا ، مرجعية مرتبطة بالماضي ومتمسكة بالموروث الذي يمنحوه قدسية مغلقة وبنفس الوقت يمنحهم تبرير للواقع وإعادة لإنتاج هذا الواقع مرات أخرى . هذا التسوس الذي أصاب البنية الفكرية هو نتاج لغياب القدرة على تجاوز التناقضات مما جعل جزء من المجتمع يبدو أجوف من الداخل مع إنتاج أشكال هجينة بين الحداثة والرجعية ، فقد نجد مجموعات تدعو للعقلانية في خطابها لكن تستخدم عملياً أساليب إقصائية تنطلق من نفس المنطق الرجعي ونجد بعض القوى المحافظة أو الأصولية التي تدعو إلى القيم و الأخلاق ، التي تستخدمها كآلية للدفاع أو مقاومة لغياب المعنى بالنسبة لها . ومع حالة الانغلاق و الانسداد التي تمر بها مصر تحولت الساحة الرقمية إلى ساحة وحيدة للتعبير بعد أن تم تفريغ الشارع والجامعات والنقابات و غيرهم من محتواهم الحيوي فصار المجتمع في حالة من التعبئة الفكرية المستمرة التي تقوم بها كل مرجعية عبر أدواتها الرقمية ، محاولةً ملء الفراغ الذي بات يهدد النسيج المجتمعي .
​وفي هذا السياق تبرز ظاهرة الصحافة الإلكترونية ومواقع كمواقع الأقاليم التي احترفت صناعة ( الترند ) كأداة للتسليع ومنتج للإستهلاك ؛ و هنا نجد تجسيداً لإنعدام المهنية في أخبار كثيرة باعتمادها على الاجتزاء المُخِلّ والعناوين المضللة وأخبار الفضائح لخلق حالة دائمة من شد الأعصاب الجمعي وتحويل شرائح كبيرة من المجتمع لمستهلكة لهذه النوعية من الأخبار بل وتجعلها مدمنة وأكثر قابلية للإجتزاء ومدمنة ومستهلكة لأخبار بعينها كأخبار الحوادث أو الفضائح أو غيرها أي تبحث دائماً بشكل لا واعي عن التفاعل الغاضب السريع إلى جانب عدم قدرتها لخلق رأي أو موقف حقيقي طويل النفس وبذلك هي عملية إعادة لتشكيل الوعي . تحويل الخبر إلى منتج استهلاكي يخضع لمنطق السوق لا لمنطق الحقيقة و جوهره بطبيعة الحال به عملية تفكيك لمهنية الصحافة بحيث تغيب العقلانية المهنية لصالح الانتشار الرخيص . تلك المواقع المدعومة باللجان الإلكترونية والتي تمثل صحافة صفراء لا تخلق نقاشاً على قدر خلقها لضجيج يحجب الرؤية ويمثل حالة اجتماعية تمنع تكون الفكرة و تسلب الإنتباه ، مما يجعل المجتمع في حالة استنفار دائم لتلقي المزيد من الجدل التافه ، و هذا يخدم بالضرورة حالة التآكل والصب في النهاية للعدمية ومنع نضوج الوعي الجمعي محولاً
بعض القضايا المصيرية إلى مجرد سلع عابرة للاستهلاك اليومي الرديء ومجرد موجات غضب انفعالية عابرة .

المجتمع يعيش حالة تأجيل دائمة لمواجهة الحقيقة وهي أن المرجعية القديمة لم تعد صالحة لزمننا ولم تعد صالحة لتكون أداة لتفسير العالم من خلالها إلى جانب كون هذا الصمت الخارجي كله ليس إلا قناعاً لضجيج داخلي ينخر في العظام مما يضعنا في حالة ترقب لصدام فكري قادم بين القوى المتنافرة مع ضرورة للمواجهة ، لأن الجدل بدون مواجهة يتحول إلى أداة للهروب من الحقيقة و تفاعل يومي بلا أفق أو مشروع أو تنظيم . ​وفي ظل هذا الفراغ السياسي والانسداد المؤسسي وسيادة منطق الاستهلاك ، تصبح الحاجة ملحّة للانتقال من مجرد الجدل إلى إدراك ضرورة صياغة عقد اجتماعي جديد .
فبدون عقد مجتمعي جديد سيستمر الجدل المصري الرقمي مجرد معارك وصراعات تستهلك نفسها حتى تأتي لحظة الإنفجار كنتيجة طبيعية لهذا التآكل الذي استمر لفترات طويلة .

محمد صابر
عضو اتحاد الشباب وأمانة العلاقات الخارجية بالحزب

كل الحقوق محفوظة © 2021 - الحزب المصري الديمقراطي الإجتماعي

تطوير وإدارة الموقع: مؤسسة سوا فور لخدمات مواقع الويب وتطبيقات الموبايل.