مقالات

  31-01-2026

أين ذهبت الجماهير ؟

غابت القدرات التنظيمية بعد ثورة يناير بشكل ملفت وحاد جدًا ، و الحقيقة في تقديري هذه هي الخسارة الأكبر بعد الثورة ، لم تبقى أي قوى تنظيمية قوية على الأرض أو قوى نستطيع البناء عليها لسد الفراغ السياسي في البلد بالرغم ما حملته يناير وأفرزته لنا من كم من الكوادر الواعية والمعبئة بالكثير من الخبرات . ومن منطلق بنيوي تتأسس القوة الحقيقية لأي كيان سياسي في قدرته على تجاوز ذوات أعضائه نحو بناء آلة تعمل بشكل مستقل عن كاريزما الأشخاص . و يبرز التناقض الصارخ في مصر بين وفرة الكوادر وتهافت التنظيم فالحزب الذي يمتلك عقولاً لامعة هو قد يكون ذاته الحزب الذي يفتقر إلى ميكانيكا واضحة لاتخاذ القرار بالإضافة الى كونه في حقيقة الأمر جهاز معطل مهما بلغت درجة وعي أفراده ، التنظيم هو الذي يستجوب الفرد ليحوله إلى كادر ، أي أن البنية التنظيمية هي التي تمنح الفرد دوره وفاعليته وليس العكس . وبدون هذه البنية ، يظل الكادر مجرد طاقة مهدرة في فراغ عدمي مظلم إلى جانب كون هذا الفراغ محبط ومؤلم في بعض الأحيان ، ويظل الكادر عاجزاً عن التحول إلى فعل سياسي مادي وملموس.
​وتتجلى المعضلة الكبرى في آلية التنسيق المفقودة وفي غياب المسارات الواضحة التي تربط مجموعات العمل بمركز اتخاذ القرار مما يحول العمل الحزبي إلى جزر منعزلة تتآكل بمرور الوقت . هذا الترهل التنظيمي ليس نقصاً في المهارة في حد ذاته إنما هو غياب للوعي أو تجاوز لفكرة أن القرار هو نتاج عملية إنتاجية معقدة تتطلب أدوات تنسيق مادية . حين تفتقد الأحزاب هذه الآلية فإنها تقع في فخ " العفوية " حيث يصبح الفعل السياسي رد فعل عشوائي بدلاً من أن يكون استراتيجية نابعة من بنية متماسكة قادرة على قراءة الواقع وتغييره.
​أما عن الجماهير ، فإن مصر تمثل سوقاً سياسياً هائلاً ومتنوعاً من يساريين وليبراليين و دينيين و ثوريين ومحافظين وبرجماتيين وتنوع لا ينتهى وكم غير محدود إلا أن عجز الأحزاب عن استقطاب هذا الجمهور يعود إلى خلطها بين الخطاب الأيديولوجي والجهاز التنظيمي . فالجماهير لا تنجذب للأفكار المجردة فقط على الأقل في حالتنا المصرية ، بل تنجذب للقوة المنظمة التي تستطيع التعبير عن مصالحها بشكل مادي . التبريرات التي تسوقها بعض النخب الحزبية لتفسير عزوف الجماهير هي في جوهرها محاولة لتغطية العجز البنيوي الداخلي بإلقاء اللوم على ظروف خارجية بالرغم من أن هذه الأسباب تحمل وجاهتها حين سمعها أو قرائتها بل بالعكس تمثل واقع حي فعلاً لكن في نفس الوقت هذه التبريرات تعمل كغطاء أيديولوجي يحمي القيادات التنظيمية من مواجهة الحقيقة المُرّة بأن أحزابهم تفتقر إلى الأجهزة الفرعية القادرة على التغلغل في النسيج المجتمعي وتحويل التعاطف الشعبي إلى انخراط تنظيمي فالفرد لا يصبح فاعلاً إلا في كلٍ منظّم .
​في النهاية نجاح أي كيان سياسي مصري في المستقبل رهين بمدى قدرته على تفكيك عقليته القديمة وإعادة بنائها وفق فلسفة الأولوية للتنظيم إلى جانب تصعيد الأجيال الشبابية القادرة على إعطاء المنظومة روح وإستدامة وبقاء فالبقاء للأقوى تنظيمياً وليس للأكثر صخباً أو للأعمق فكراً فقط . التنظيم هو الممارسة المادية الوحيدة التي تضمن عدم تلاشي الأفكار تحت ضغوط الواقع المؤلم لهذا البلد وهو الآلية التي تحول الكوادر من مجرد أسماء لامعة إلى تروس في ماكينة قادرة على صناعة التغيير بدون الحاجه لإلقاء اللوم على الظروف الخارجية ويمكن عرض وجهة نظر هيجل بأن ( التغيير لا يأتي من الخارج ) الخارج فقط يكشف ضرورة للتغيير . وبدون مواجهة صريحة مع هذا العجز في إدارة التنظيمات ستظل الأحزاب تدور في حلقة مفرغة من التبريرات بينما يظل الشارع ينتظر تنظيماً يليق بحجم تطلعاته وطموحاته وتنوعه .

محمد صابر

عضو اتحاد الشباب وأمانة العلاقات الخارجية بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي

كل الحقوق محفوظة © 2021 - الحزب المصري الديمقراطي الإجتماعي

تطوير وإدارة الموقع: مؤسسة سوا فور لخدمات مواقع الويب وتطبيقات الموبايل.