01-01-2026
بقلم: محمود المغربى
تمثل محافظة الدقهلية واحدة من أكبر المحافظات المصرية من حيث الكثافة السكانية والوزن الانتخابي، إلا أن هذا الثقل لم ينعكس بصورة متوازنة على واقع الحياة الحزبية داخلها. فعلى الرغم من تعدد الأحزاب ووجود مقرات تنظيمية في أغلب المراكز، يظل التأثير السياسي الحقيقي محدودًا، وتبقى الأحزاب بعيدة نسبيًا عن الشارع وصناعة القرار المحلي.
كما ان المشهد الحزبي في الدقهلية يتسم بحضور تنظيمي واضح يقابله ضعف في الامتداد الجماهيري. فالنشاط الحزبي غالبًا ما يقتصر على مناسبات موسمية مثل الانتخابات أو بعض الفعاليات الرمزية، بينما يغيب العمل السياسي المستمر المرتبط بقضايا المواطنين اليومية، خاصة في القرى والمناطق الريفية التي تمثل الكتلة التصويتية الأكبر.
وأظهرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة أن المنافسة الحقيقية لم تكن بين برامج أو توجهات سياسية، بقدر ما كانت بين شخصيات محلية وعائلية ذات نفوذ اجتماعي. هذا الواقع يعكس إخفاق الأحزاب في ترسيخ نفسها كبديل سياسي قائم على الأفكار والبرامج، ويؤكد أن التصويت لا يزال مرتبطًا بالاسم والخدمة المباشرة أكثر من الانتماء الحزبي.
تعاني معظم الأحزاب في الدقهلية من ضعف واضح في تقديم برامج محلية محددة تتعامل بجدية مع قضايا المحافظة، مثل الزراعة، والصحة، والتعليم، والبطالة، ومشكلات الريف. هذا الغياب يجعل المواطن غير قادر على التمييز بين حزب وآخر، ويضعف ثقة الشارع في جدوى العمل الحزبي ذاته.
من المفترض أن تلعب الأحزاب دور الوسيط بين المواطنين والسلطة التنفيذية، إلا أن هذا الدور يبدو محدودًا في الدقهلية. فالتأثير في القرار المحلي ضعيف، والقدرة على الضغط أو التفاوض حول أولويات تنموية حقيقية تكاد تكون غائبة، ما يقلل من فاعلية الأحزاب ويجعل حضورها أقرب إلى الشكل التنظيمي منه إلى الفعل السياسي.
تمتلك الدقهلية قاعدة شبابية واسعة ومتعلمة، إلا أن الأحزاب لم تنجح في دمج هذه الفئة دمجًا حقيقيًا داخل هياكلها. وغالبًا ما يُستخدم الشباب كعنصر تنظيمي أو دعائي دون تمكين سياسي فعلي أو تدريب جاد، ما أدى إلى عزوف قطاعات واسعة منهم وادى الى فراغ سياسي تملؤه العلاقات الاجتماعية
في ظل ضعف الأحزاب، برزت العلاقات العائلية والاعتبارات الاجتماعية كبديل عن السياسة، فتحولت بعض الاستحقاقات الانتخابية إلى منافسات اجتماعية أكثر منها تنافسًا حول رؤى وبرامج، وهو ما يضعف فكرة العمل العام ويحد من تطور الممارسة السياسية.
فى النهاية إن أزمة الأحزاب في الدقهلية ليست أزمة عدد أو انتشار، بل أزمة دور ورؤية. فالمحافظة لا تحتاج إلى مزيد من الكيانات الشكلية، بقدر حاجتها إلى أحزاب قادرة على التفاعل مع الشارع، وتقديم حلول واقعية، وبناء كوادر سياسية مؤهلة، وصياغة خطاب يعبر بصدق عن مصالح المواطنين. دون ذلك، ستظل الحياة الحزبية محدودة التأثير، وسيبقى المجال السياسي مفتوحًا لمن يملك النفوذ الاجتماعي لا المشروع السياسي.

كل الحقوق محفوظة © 2021 - الحزب المصري الديمقراطي الإجتماعي
تطوير وإدارة الموقع: مؤسسة سوا فور لخدمات مواقع الويب وتطبيقات الموبايل.