15-11-2025
بقلم: آمال سيد
خبير الادارة المحلية
في الوقت الذي تتجه فيه الدولة المصرية نحو تعزيز التنمية المستدامة وتحقيق العدالة المكانية بين المحافظات، يظل المحافظون في قلب معادلة صعبة — معادلة تتأرجح بين مطرقة المركزية الصارمة وسندان اللامركزية المؤجلة. فبينما يحمّلهم الدستور مسؤوليات واسعة، تبقى الصلاحيات الحقيقية في قبضة الوزارات المركزية، لتتحول وظيفة المحافظ إلى إدارة تنفيذية محدودة أكثر منها قيادة تنموية فاعلة.
ورغم أن المادة (176) من الدستور تنص بوضوح على دعم الدولة لنظام لا مركزي إداري ومالي واقتصادي، فإن الواقع يؤكد أن الطريق إلى اللامركزية لا يزال طويلاً وشائكًا. فالموازنات المستقلة للمحافظات محدودة، والإجراءات البيروقراطية تقيّد القرار المحلي، وتضارب الاختصاصات بين الأجهزة التنفيذية والوزارات يضاعف من بطء الأداء.
ويواجه المحافظون، فوق ذلك، تحديات ميدانية معقدة؛ أبرزها غياب المجالس المحلية المنتخبة منذ عام 2011، ما جعل المحافظ يتحمل وحده مسؤولية اتخاذ القرار والتنفيذ دون شريك شعبي يراقب الأداء أو يشارك في صنع السياسات. كما تعاني كثير من الأجهزة المحلية من نقص الكوادر المؤهلة وضعف نظم التدريب الإداري الحديثة، مما يحد من القدرة على التخطيط الاستراتيجي وتنفيذ مشروعات التنمية بكفاءة.
ويرى خبراء الإدارة المحلية أن تحقيق اللامركزية الحقيقية لا يتطلب فقط نقل السلطات المالية والإدارية إلى المحافظات، بل يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين الحكومة المركزية والوحدات المحلية، وإقرار قانون جديد للإدارة المحلية يحدد بوضوح آليات توزيع الصلاحيات والمسؤوليات والمساءلة.
فاللامركزية ليست شعارًا إداريًا، بل نهج تنموي يقوم على التمكين والمحاسبة في آن واحد. وتمكين المحافظين من اتخاذ قرارات سريعة ومبتكرة في إدارة ملفاتهم المحلية — مع وجود رقابة مجتمعية فعالة — هو الطريق الأمثل لتعظيم موارد المحافظات، وتحقيق تنمية متوازنة تعكس خصوصية كل منطقة.
إن المحافظ اليوم يقف في موقع بالغ الحساسية، بين التزامه بتوجيهات الدولة المركزية وسعيه لتلبية احتياجات المواطنين على المستوى المحلي. ولا سبيل لتجاوز هذا المأزق إلا بانتقال حقيقي نحو اللامركزية، يوازن بين وحدة الدولة وحق كل محافظة في رسم مسارها التنموي.
وما بين المركزية التي تُقيد القرار، واللامركزية التي لم تولد بعد، يقف المحافظ المصري كجندي في معركة غير متكافئة. فالدولة الحديثة لا تُدار بالأوامر من الأعلى، بل بالشراكة من الأسفل. وإذا أردنا تنمية حقيقية تُشبه وجه مصر المتنوع، فعلينا أن نمنح المحافظات حرية الحلم والتنفيذ معًا، لا أن نظل نديرها بخيوط تتحكم فيها العاصمة وحدها.
كل الحقوق محفوظة © 2021 - الحزب المصري الديمقراطي الإجتماعي
تطوير وإدارة الموقع: مؤسسة سوا فور لخدمات مواقع الويب وتطبيقات الموبايل.